فخر الدين الرازي
167
تفسير الرازي
وأجاب عنها بقوله * ( إن أول بيت وضع للناس ) * ( آل عمران : 96 ) إلى آخرها ، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال ، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال : * ( لم تكفرون بآيات الله ) * بعد ظهور البينات وزوال الشبهات ، وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه . الوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج ، والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم : * ( لم تكفرون بآيات الله ) * بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة . واعلم أن المبطل إما أن يكون ضالاً فقط ، وإما أن يكون مع كونه ضالاً يكون مضلاً ، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل الرفق واللطف . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله * ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ) * واختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب ، فقال الحسن : هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته ، واستدل عليه بقوله * ( وأنتم شهداء ) * وقال بعضهم : بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر . فإن قيل : ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار ؟ . قلنا لوجهين : الأول : أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم أجاب عن شبههم في ذلك ، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال : * ( يا أهل الكتاب ) * فهذا الترتيب الصحيح الثاني : أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة ، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته . المسألة الثانية : قالت المعتزلة في قوله تعالى : * ( لم تكفرون بآيات الله ) * دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم على طولهم وصحتهم ومرضهم . والجواب عنه : المعارضة بالعلم والداعي . المسألة الثالثة : المراد * ( من آيات الله ) * الآيات التي نصبها الله تعالى على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام . ثم قال : * ( والله شهيد على ما تعملون ) * الواو للحال والمعنى : لم تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته . ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد